11 فبراير 2026 - 09:42
مصدر: أبنا
سقوط الحضارة المادية: جزيرة "إبستين" وعبرة العودة إلى السماء

مع الكشف عن ملايين الوثائق من ملف إبستين، تتضح أمامنا صورة مفزعة لشبكة أخطبوطية تجمع بين السلطة والثراء والفساد الأخلاقي، وتتمتع بحصانة مريبة من العقاب.

وفقا لما أفادته وكالة أنباء أهل البيت (ع) الدولية ــ أبنا ـ إن قصة "جزيرة الشيطان" التي شغلت الرأي العام العالمي ليست مجرد سيناريو هوليودي عابر، ولا هي محض خيال، بل هي تجسيد حي لقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾. فنحن أمام مشهد مأساوي لرجل ثري سخّر إمكاناته وجزيرته المعزولة وطائراته الخاصة لا لخدمة البشرية، بل لتكوين نادٍ سري من "النخبة" العالمية، يمارسون فيه أحط أنواع الرذيلة والانحطاط البهيمي.

لم يكن جيفري إبستين يعمل وحيداً، بل كان قبلة لأسماء رنانة في عالم السياسة والمال؛ من رؤساء دول وملوك، إلى علماء وأباطرة تكنولوجيا. هؤلاء الذين يُفترض أنهم "قادة العالم المتحضر"، سقطوا في مستنقع الشهوات، كاشفين عن الوجه القبيح لحضارة مادية أطلقت العنان للغرائز دون ضوابط.

ومع الكشف عن ملايين الوثائق من هذا "الملف الأسود"، تتضح أمامنا صورة مفزعة لشبكة أخطبوطية تجمع بين السلطة والثراء والفساد الأخلاقي، وتتمتع بحصانة مريبة من العقاب. ولكن، وسط هذه الفضائح التي تزكم الأنوف، تبرز تساؤلات وجودية وأخلاقية تتجاوز مجرد الجريمة الجنائية: كيف وصل الإنسان الحديث إلى هذا الدرك الأسفل من السافلين؟ وكيف لمجتمعات تدعي الرقي والحداثة أن تنتج نخباً بهذا التشوه الروحي؟

هنا يكمن الجوهر الغائب؛ إن ما حدث في تلك الجزيرة هو النتيجة الحتمية لإقصاء الدين وتعاليم السماء عن توجيه السلوك البشري. إن النفس البشرية، إذا خلت من لجام التقوى ومن نور الوحي الإلهي، تتحول إلى "نفس أمّارة بالسوء"، لا تشبع من ملذات ولا تقف عند حد. إن الإسلام، وكافة الأديان السماوية الحقة، جاءت لتهذيب هذه الغرائز ووضعها في إطارها الفطري السليم، محذرة من مغبة اتباع الهوى الذي يضل عن سبيل الله. فالحضارة التي تفصل الأخلاق عن الدين، وتستبدل الخوف من الله بالخوف من القانون الوضعي (الذي يمكن التحايل عليه بالمال والنفوذ)، لن تنتج إلا أمثال هؤلاء الذين يظهرون ببدلات أنيقة نهاراً، ويتحولون إلى وحوش كاسرة ليلاً.

والسؤال الأخطر الذي يجب طرحه: هل انتهى الشر بموت إبستين في ظروف غامضة وإغلاق وكره الشيطاني؟

إن النظرة الواقعية، المستندة إلى فهم الطبيعة البشرية غير المهذبة بالدين، تقول: كلا. إن إبستين لم يكن سوى "مورّد" لبضاعة قذرة، تلبيةً لـ "طلب" موجود ومتجذر في نفوس نخبة أدمنت الحرام واستغنت عن الحلال. ما دامت القلوب خاوية من الإيمان، وما دامت الشهوات هي الآلهة المعبودة من دون الله، فإن "الطلب" على الرذيلة سيظل قائماً.

إن الخلاص من هذه الشبكات الشيطانية -سواء كانت مرتبطة بأجهزة استخبارات عالمية كالموساد الذي يقتات على الابتزاز الأخلاقي، أو كانت نتاجاً للترف الفاحش- لا يكون إلا بالعودة الصادقة إلى النبع الصافي، إلى تعاليم الأديان السماوية التي تضع سياجاً من العفة حول الإنسان، وتحميه من طغيان شهوته. فبدون الرادع الإيماني، سيظهر ألف "إبستين" جديد، وستتحول جزر أخرى إلى بؤر للفساد، لأن الأرض لا تخلو من الجزر، والنفوس البعيدة عن الله لا تخلو من الفجور.

د.علي‌رضا محمدحسن

.....................

انتهى / 323 

سمات

تعليقك

You are replying to: .
captcha